زعم كثير من الكتاب العرب والمستشرقون القدامى والجدد : أن التشيع كسائر المذاهب الإسلامية من إفرازات الصراعات السياسية فأخذوا يبحثون عن تاريخ نشوئه وظهوره في الساحة الإسلامية ، وكأنهم يتلقون التشيع بوصفه ظاهرة جديدة وافدة على المجتمع الإسلامي ، ويعتقدون بأن القطاع الشيعي وإن كان من جسم الأمة الإسلامية إلا أنه تكون على مر الزمن نتيجة لأحداث وتطورات سياسية أو اجتماعية فكرية أدت إلى تكوين هذا المذهب كجزء من ذلك الجسم الكبير ، ومن ثم اتسع ذلك الجزء بالتدريج .
وممن أدلى بدلوه في هذا من المستشرقين - دوزي ، وميور ، وجولد تسيهر ، وفلهاوزن - في أصل التشيع في جذوره الأولى إلى الفرس ، ،. وأما فلهاوزن فالرأي عنده أن عقائد الشيعة مأخوذة من اليهودية الأصلية ، - كما قال دوزي - وقد اعتمد فلهاوزن في رأيه هذا على قول ابن سبأ : علي بالنسبة لمحمد كهارون لموسى ، وعلى قول ابن سبأ في رجعة محمد في شخص علي ( 2 ) واستثناءً من أولائك المستشرقين آدم متز فقد عرف أن التشيع إنما يرجع إلى أصل عربي صميم.
ولعل هذه التصورات الخاطئة لمفهوم التشيع هو ما دفع أصحاب هذه الأطروحات إلى التخبط والتعثر في فهمهم لحقيقة نشوء هذا المذهب ، ومحاولاتهم الرامية لتقديم التفسير الأصوب ، ولو أن أولئك الدارسين شرعوا في دراستهم لتأريخ هذه النشأة من خلال الأطروحات العقائدية والفكرية التي ابتني عليها التشيع لأدركوا بوضوح ودون لبس أن هذا المذهب لا يؤلف في جوهر تكوينه وقواعد أركانه إلا الامتداد الحقيقي للفكر العقائدي للدين الإسلامي والذي قام عليه كيانه .
وإذا كان البعض يذهب إلى الاعتقاد بأن التشيع يظهر بأوضح صوره من خلال الالتفاف والمشايعة للوصي الذي اختاره رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) خليفة له بأمر الله تعالى ليكون قائدا وإماما للناس - كما كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) - ففي ذلك أوضح المصاديق على حقيقة هذا النشوء الذي اقترن بنشوء وتبلور الفكر الإسلامي الكبير ، والذي لا بد له من الاستمرار والتواصل والتكامل حتى بعد رحيل صاحب الرسالة ( صلى الله عليه وآله ) ، والذي ينبغي له أن يكون الاستمرار الحقيقي لتلك العقيدة السماوية وحامل أعباء تركتها .
فإذا اعتبرنا بأن التشيع يرتكز أساسا في استمرار القيادة بالوصي ، فلا نجد له تأريخا سوى تأريخ الإسلام والنصوص الواردة عن رسوله ( صلى الله عليه وآله ) في حب علي عليه السلام حينما روى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن مساور الحميري عن أمه عن أم سلمة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي : لا يحبك إلا مؤمن ، ولا يبغضك إلا منافق (فضائل الصحابة2 / 648 .) .
وعن عدي بن ثابت عن ذر بن حبيش عن علي قال : عهد إلى النبي صلى الله عليه وسلم : لا يحبك إلا مؤمن ، ولا يبغضك إلا منافق (فضائلالصحابة 2 / 650 ، وكذا 2 / 565 - 566 ، 619 ، 648 . ) .
وعن مساور الحميري عن أمه قالت : دخلت على أم سلمة فسمعتها تقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : لا يبغضك مؤمن ، ولا يحبك منافق (فضائل الصحابة 2 / 619 ، وكذا 2 / 619 ، وكذا 2 / 685) .
وروى الإمام أحمد في الفضائل بسنده عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال : بعثني النبي صلى الله عليه وسلم ، إلى علي بن أبي طالب فقال : أنت سيد في الدنيا وسيد في الآخرة ، من أحبك فقد أحبني ، وحبيبك حبيب الله ، وعدوك عدوي ، وعدوي عدو الله ، الويل لمن أبغضك بعدي (فضائل الصحابة 2 / 642 . ) .
قال : وأخرجه الخطيب في تاريخه ، والمحب الطبري في الرياض النضرة ، والدارقطني في العلل (تاريخ بغداد 4 / 41 ،الرياضالنضرة 3 / 156 ، العلل ( 61 أ)) .
وعن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري قال : إنما كنا نعرف منافقي الأنصار ببغضهم عليا (فضائلالصحابة 2 / 579 .) ،
وفي رواية : عن أبي سعيد الخدري أيضا : كنا بنور إيماننا نحب علي بن أبي طالب ، فمن أحبه عرفنا أنه منا (شرح نهج البلاغة 4 / 110 .) .
وعن جابر بن عبد الله قال : ما كنا نعرف منافقينا معشر الأنصار ، إلا ببغضهم عليا (فضائل الصحابة 2 / 639 . () .
ومن هنا جاء حب الإمام علي عليه السلام ، ومن هنا نشأ التشيع وهذه النصوص ما هي إلا غيض من فيض فيما ورد في أفضاله وفضائله من أحاديث صحيحة ومتواترة وغيرها مما يعتد بها السني والسلفي ويعترف بها الناصبي قبل الشيعي .
وإذا كانت تلك النصوص من القوة والحجية التي لا يرقى إليها الشك ، وتعد وبدون تردد ركائز عقائدية أراد أن يثبت أساسها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فهي بلا شك تدل وبوضوح على أن هذه الاستجابة اللاحقة استمرار حقيقي لما سبقها في عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وإذا كان كذلك فإن جميع من استجابوا لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وانقادوا له انقيادا حقيقيا ، يعدون بلا شك رواد التشيع الأوائل وحاملي بذوره ، فالشيعة هم المسلمون من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان في الأجيال اللاحقة ، من الذين بقوا على ما كانوا عليه في عصر الرسول في أمر القيادة ، ولم يغيروه ، ولم يتعدوا عنه إلى غيره ، ولم يأخذوا بالمصالح المزعومة في مقابل النصوص ، وصاروا بذلك المصداق الأبرز لقوله سبحانه : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } ( 1 ) ففزعوا في الأصول والفروع إلى علي وعترته الطاهرة لأمر الإلهي (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) وتميزوا عن بقية الطوائف الذين تركوا النصوص ، وأخذوا بالمصالح لإيمانهم بنصوص الخلافة والولاية وزعامة العترة .
إن الآثار المروية في حق شيعة الإمام عن لسان النبي الأكرم - والذين هم بالتالي شيعة لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) - ترفع اللثام عن وجه الحقيقة ، وتعرب عن التفاف قسم من المهاجرين حول الوصي ، فكانوا معروفين بشيعة علي في عصر الرسالة .
فكان الإمام على - رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه في الجنة - لأنه كان بالنسبة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كهارون لموسى ، عليهما السلام .
فبعد هذا لست أدري من الذي قال بنسبة التشيع لابن سبأ أو إن ابن سبأ - المزعوم هذا - هو الذي قال في رجعة محمد (ص) في شخص علي ، وما ذنب الشيعة لينسبوا إليه إذا كان التشيع وحب علي (عليه السلام) من قبل ابن سبأ ومن بعده ، وكيف نسبوا إليه حديث رسول الله (ص) (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى) على أن من قالها هو ابن سبأ ، مع أنه حديث ثابت في الصحاح.
فقد روى البخاري في صحيحه بسنده عن سعد قال : سمعت إبراهيم بن سعد عن أبيه قال ، قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ( 1 ) ،
وروى البخاري بسنده عن مصعب بن سعد عن أبيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خرج إلى تبوك واستخلف عليا " ، فقال : أتخلفني في الصبيان والنساء ؟ قال : ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه ليس نبي بعدي ( 2 )
وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه ، قال : أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا " ، فقال : ما منعك أن تسب أبا التراب فقال : أما ما ذكرت ثلاثا " قالهن له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلن أسبه ، لأن
تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم ، سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول له : خلفه في بعض مغازيه ، فقال علي : يا رسول الله ، خلفتني مع النساء والصبيان ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما ترضى أن تكون مني
بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبوة بعدي ، وسمعته يقول يوم خيبر ، لأعطين الراية رجلا " يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ، قال فتطاولنا لها فقال : ادعوا لي عليا " ، فأتي به أرمد فبصق في عينه ، ودفع الراية إليه ، ففتح الله عليه ،
ولما نزلت هذه الآية : * ( فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ) * ، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عليا " وفاطمة وحسنا " وحسينا " ، فقال : اللهم هؤلاء أهلي ( 3 ) .
وروى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن سعيد بن المسيب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال ، قال الله صلى الله عليه وسلم لعلي : أنت مني بمنزلة هارون
|
|
* هامش *
|
|
|
|
( 1 ) صحيحالبخاري 5 / 24 .
( 2 ) صحيح البخاري 6 / 3 ( دار الحديث - القاهرة ) .
( 3 ) صحيح مسلم 15 / 175 - 176 . ( * )
|
|
|
من موسى ، إلا إنه لا نبي بعدي ، قال سعيد : فأحببت أن أشافه بها سعدا " ، فلقيت سعدا " فحدثته بما حدثني به عامر فقال : أنا سمعته ، فقلت أنت سمعته ، فوضع أصبعيه على أذنيه فقال : نعم ، وإلا فاستكتا .
وفي رواية ثالثة عن سعد بن أبي وقاص قال : خلف رسول الله ، علي بن أبي طالب في غزوة تبوك فقال : يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان ، فقال : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ، غير أنه لا نبي بعدي ( 1 ) .
هذا وقد روى هذا الحديث الشريف الإمام أحمد بن حنبل في المسند والفضائل ( 2 ) ، وأبو داود الطيالسي في مسنده ( 3 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 4 ) ، والنسائي في الخصائص ( 5 ) ، والطحاوي في مشكل الآثار ( 6 ) ، والخطيب البغدادي ( 7 ) في تاريخه ، وابن الأثير في أسد الغابة ( 8 ) ، والترمذي في صحيحه ( 9 ) وابن ماجة في صحيحه ( 10 ) ، والحاكم في المستدرك ( 11 ) ، وابن عبد
|
|
* هامش *
|
|
|
|
( 1 ) صحيحمسلم 15 / 174 - 176 ( بيروت 1981 ) .
( 2 ) مسندأحمد 1 / 170 ، 173 ، 174 ، 175 ، 177 ، 179 ، 182 ، 184 ، 330 ، 3 / 338 ، 6 / 369 ، 438 ،
فضائل الصحابة 2 / 566 - 568 ، 592 ( أرقام 954 ، 956 ، 957 ، 1005 ، 1006 ) .
( 3 ) مسند أبيداود الطيالسي 1 / 28 ، 29 .
( 4 ) حليةالأولياء 7 / 194 ، 195 ، 196 ، 452 ، 8 / 308 .
( 5 ) النسائيتهذيب خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنهص 38 - 44 ( أرقام 40 ، 41 ، 42 ، 43 ، 44 ، 45 ، 46 ، 47 ، 48 ، 49 ، 50 ، 52 751 ، 53 ) .
( 6 ) مشكل الآثار 2 / 309 .
( 7 ) تاريخ بغداد 1 / 324 ، 3 / 288 ، 4 / 204 ، 8 / 52 ، 9 / 394 ، 10 / 43 ، 11 / 432 ، 12 / 323 .
( 8 ) أسدالغابة 4 / 26 ، 5 / 8 .
( 9 ) صحيح الترمذي 2 / 300 ، 301 ، 5 / 641 .
( 10 ) صحيح ابن ماجة 1 / 42 .
( 11 ) المستدركللحاكم 2 / 337 ، 3 / 116 . ( * )
|
|
|
البر في الإستيعاب ( 1 ) ، والهيتمي في مجمع الزوائد ( 2 ) ، والمتقي الهندي في كنز العمال ( 3 ) ، والمحب الطبري في الرياض النضرة ، وفي ذخائر العقبى ، ( 4 ) ، وعبد الرازق في مصنفه ( 5 ) ، وابن سعد في طبقاته ( 6 ) ، وابن عساكر في تاريخه ( 7 ) ، وابن حجر العسقلاني في الإصابة في تمييز الصحابة ( 8 ) ، والمقدسي في البدء والتأريخ ( 9 ) ، والطبري في تاريخه ( 10 ) ، وابن حجر الهيثمي في صواعقه ( 11 ) ، والألباني في إرواء الغليل ( 12 ) وغيرهم ( 13 ) .
وأما الثانية : وهي نسبة فكرة الرجعة إلى اليهود والنصارى ، اعتمادا " على أن إيليا رفع للسماء ، وأنه لا بد أن يعود في آخر الزمان لإقامة العدل ، وهي نفس فكرة الغلاة من الشيعة ( 14 ) .
|
|
* هامش *
|
|
|
|
( 1 ) الإستيعاب في معرفة الأصحاب 3 / 34 .
( 2 ) مجمع الزوائد 9 / 109 ، 110 ، 111 .
( 3 ) كنز العمال 3 / 154 ، 5 / 40 ، 6 / 154 ، 188 ، 395 ، 405 ، 8 / 215 .
( 4 ) الرياض النضرة 2 / 162 ، 163 ، 164 ، 195 ،ذخائر العقبىص 120 .
( 5 ) مصنف عبد الرازق 11 / 226 .
( 6 ) الطبقات الكبرى 3 / 24 .
( 7 ) تاريخ ابنعساكر 1 / 107 .
( 8 ) الإصابة 2 / 59 .
( 9 ) البدء والتأريخ 4 / 239 .
( 10 ) تاريخالطبري 3 / 103 - 104 .
( 11 ) الصواعق المحرقةص 73 ، 74 ، 187 .
( 12 ) إرواء الغليل في تخريج أحاديث منارالسبيل 5 / 11 - 12 . 8 / 123 - 124 .
( 13 ) المطالبالعالية 4 / 264 ، ابن كثير : البداية والنهاية 7 / 366 ، 371 ، 372 ، 373 ، 374 ، ويقول ابن كثير : قال الحافظ ابن عساكر : وقدروى هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، جماعة من الصحابة ، منهم : عمروعلي وابن عباس وعبد الله بن
جعفر ومعاوية وجابر بن عبد اللهوجابر بن سمرة وأبو سعيد والبراء بن عازب وزيد بن أرقم وزيد بن أبي أوفى ونبيط بنشريط وحبشي بن جنادة ومالك بن الحويرث وأنس بن مالك وأبو الفضل وأم سلمة وأسماء بنتعميس وفاطمة بنت حمزة . يقول ابن كثير : وقد تقصى الجاحظ ابن عساكر هذه الأحاديث فيترجمة الإمام علي في تاريخه ، فأجاد وأفاد، وبرز على النظراء والأشباه ( البداية والنهاية 7 / 373 )
( 14 ) أنظر : فلهاوزن : الخوارج والشيعة - ترجمة عبد الحميد بدوي ص 95 - 102 ،مجلة الآشوريات 3 / 296 . ( * )
|
|
|
ولعل من الأهمية بمكان أن نتعرف - بادئ ذي بدء - على إيليا حيث جاءت قصته في سفر الملوك الأول ، الذي يروي أن أخاب بن عمري ملك إسرائيل ( 869 - 850 ق . م ) قد اقترف كل أنواع الشرور ، ربما بسبب زواجه من إيزابيل بنت
إيثبعل ملك صور ، التي نجحت في السيطرة على زوجها تماما " ، حتى تمكنت من نقل أفكار الحكم المطلق إلى إسرائيل ، والتي كانت بعيدة عن التصور العبري للملكية ، فضلا " عن إحلال آلهة الفينيقيين الوثنية ، محل عبادة يهوه رب إسرائيل ،
ثم جهدت في إلغاء عبادة الله، وإحلال عبادة البعل مكانها ، ومن ثم فقد اندفع إيليا في طول البلاد وعرضها كالإعصار، مهددا " متوعدا " ، بأنه لا ظل ولا مطر في هذه السنين ، وتشتد المجاعة ، وخاصة في العاصمة السامرة ، وعقدت مباراة بين
سدنة البعل - وعددهم 450 سادنا " - وبين إيليا ، أيهم يستجيب له الرب وينزل المطر ، ونجح إيليا فاستجاب الله له وأنزل المطر - بعد جفاف استمر سنوات ثلاث - وأمسك إيليا بأنبياء البعل ، وذبحهم جميعا " ، وتسمع إيزابيل بما حدث ، وفي
غضب مرير ، تنذر بقتل إيليا ، الذي يتمكن من الهرب إلى جبل حوريب ، بعد أن يعهد إلى حواريه اليسع الذي يتولى أمر الدعوة من بعده ، وتنتهي الأمور ، بأن تأتي مركبة وفرسان نارية وتحمل إيليا إلى السماء ، تاركا " رداءه لإليسع ( 1 ) .
وهناك إشارة في العهد القديم في ملاخي ( 4 / 5 - 6 ) فحواها أن الرب سيرسل إيليا قبل يوم الرب العظيم ، ويترك بعض اليهود مقعدا " خاليا " على مائدة عيد الفصح ( 2 ) لإيليا ، وأما إشارة ملاخي فتقول ها أنذا أرسل إليكم إيليا النبي قبل مجئ يوم الرب العظيم والمخوف ، فيرد قلب الآباء على الأبناء ، وقلب الأبناء على آبائهم ، لئلا آتي وأضرب الأرض بلعن .
|
|
* هامش *
|
|
|
|
( 1 ) أنظر : محمد بيومي مهران : إسرائيل 2 / 910 - 916 ( الإسكندرية 1978 ) ،
دراسات تاريخية من القرآن الكريم 3 / 231 - 241 ( بيروت 1988 ) ،قاموس الكتاب المقدس 1 / 144 - 145 ( بيروت 1964 ) ،
ملوك أول 17 / 1 - 19 / 21 ،إنجيل لوقا 4 / 25 - 26 ،رسالةيعقوب 5 / 17 .
( 2 ) أنظر عن عيد الفصح ( محمد بيومي مهران : إسرائيل 4 / 156 - 163 - الإسكندرية 1979 ) . ( * )
|
|
|
وفي الواقع أنني لست أدري : لم يتجاهل هؤلاء وأولئك أن ما جاء عن إيليا ( 1 ) في العهد القديم ، إنما جاء عند المسيح عيسى بن مريم في القرآن الكريم ، يقول الله تعالى : * ( وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا " * بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا " حكيما " ) * ( 2 ) ،
وقال تعالى : * ( إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ) * ( 3 ) .
ويقول الأستاذ الإمام محمد عبده في تفسير المنار : فإن للعلماء هنا طريقتين ، إحداهما - وهي المشهورة - أنه رفع بجسمه حيا " ، وأنه سينزل في آخر الزمان ، فيحكم بين الناس بشريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم يتوفاه الله تعالى ( 4 ) ،
ويقول الإمام الفخر الرازي : معنى قوله إني متوفيك ، أي متمم عمرك ، فحينئذ أتوفاك ، فلا أتركهم حتى يقتلوك ، بل أنا رافعك إلى سمائي ، ومقربك بملائكتي ، وأصونك عن أن يتمكنوا من قتلك ، وهذا تأويل حسن ، وهناك وجه آخر في تأويل الآية هو أن الواو في قوله تعالى : متوفيك ورافعك تفيد الترتيب ، فالآية تدل على أن الله تعالى يفعل به هذه الأفعال ، فأما كيف يفعل ؟ ومتى يفعل ؟ فالأمر موقوف فيه على الدليل ، وقد ثبت الدليل أنه حي ، وورد
|
|
* هامش *
|
|
|
|
( 1 ) أنظر عن توحيد إيليا بنبيالقرآن - إلياس عليه السلام ( محمد بيومي مهران : إسرائيل 2 / 913 - 915 ، دراسات تاريخية من القرآن الكريم - الجزء الثالث - في بلاد الشام ص 232 - 235 ) .
( 2 ) سورةالنساء : آية 157 - 158 ، وانظر : تفسير الطبري 6 / 12 - 18 ،تفسير روح المعاني 6 / 10 - 13 ،
تفسير النسفي 1 / 261 - 263 ،فيظلال القرآن 2 / 801 - 803 ،تفسير البيضاوي 1 / 141 - 142 ،
صفوة التفاسير 1 / 316 ،تفسير ابنكثير 1 / 872 - 889 ،التسهيل لعلوم التنزيل 1 / 163 .
( 3 ) سورةآلعمران : آية 55 ، وانظر : تفسير النسفي 1 / 160 ،تفسير الفخر الرازي 8 / 67 - 70 ،
في ظلال القرآن 1 / 403 - 404 ،تفسير ابن كثير 1 / 548 ،تفسير الطبري 3 / 289 - 293 ،تفسير روح المعاني 3 / 179 - 184
( 4 ) تفسير المنار 3 / 260 . ( * )
|
|
|
الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سينزل ويقتل الدجال ثم إن الله تعالى يتوفاه بعد ذلك ( 1 ) .
وأما الطريقة الثانية - فيما يرى الأستاذ الإمام - فهي أن الآية على ظاهرها ، وأن التوفي على معناه الظاهر ، المتبادر منه ، وهو رفع الروح ( 2 ) ، يقول الفخر الرازي : إني متوفيك أي مميتك ، وهو مروي عن ابن عباس ، وابن إسحاق قالوا :
والمقصود أن لا يصل أعداؤه من اليهود إلى قتله ، ثم أنه بعد ذلك أكرمه بأن رفعه إلى السماء ، ثم اختلفوا على ثلاثة أوجه : أحدها : قال وهب : توفي ثلاث ساعات ، ثم رفع ، وأخرج الحاكم عنه أن الله تعالى توفى عيسى سبع ساعات ثم أحياه ،
وأن مريم حملت به ، ولها ثلاث عشرة سنة ، وأنه رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين ، وأن أمه بقيت بعد رفعه ست سنين . وثانيها : قال ابن إسحاق : توفي سبع ساعات ، ثم أحياه الله ورفعه ، وثالثها : قال الربيع بن أنس : أنه تعالى توفاه حين رفعه إلى السماء ، قال تعالى : * ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ) * ( 3 ) ،
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ